أبي طالب المكي

120

علم القلوب

الآية الخامسة قوله جل ثناؤه : وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ [ البقرة : 255 ] ، قيل : الهاء إشارة إلى اللّه تعالى . وقال ابن عطاء : ولا يحيطون بشئ من ربوبيته علما ؛ لأنه لم يظهر شئ إلى تحت تلبيس « 1 » ، لكن لا يستوى علمان في شئ واحد ، ما علمه غيره ، ولا عرفه سواه ، ولا ذكره غير إياه ، فهو العالم على الحقيقة ، والعارف على الحقيقة ، والذاكر على الحقيقة « 2 » . وفي الخبر أن ملكا من الملائكة يتفكر في اللّه تعالى ، فيصيح به : ما لك ولهذا ؟ فهام على وجه من ذلك ، فسمى المفكر ، فهو في الهيمان إلى يوم القيامة . وقال ابن عطاء : المعرفة معرفتان : معرفة حق ، ومعرفة حقيقة ، فمعرفة [ ال ] حق معرفة وحدانيته على ما أبرز للخلق من الأسامى والصفات ، ومعرفة الحقيقة على ألا سبيل إليها ، لامتناع الصمدية ، وحقيقة الربوبية لقوله : وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً [ طه : 110 ] ، [ أي ] لا سبيل إلى المعرفة على الحقيقة « 3 » . وقال الشبلي ، رحمه اللّه : إن عرفناك حيرتنا ، وإن طلبناك أتعبتنا ، وإن قصدناك أدهشتنا ، وإن أحببناك قتلتنا ، وإن شاهدناك أفنيتنا ، وإن أردناك أبليتنا ، وإن دنونا منك أحرقتنا ، وإن ضحكنا أخزيتنا ، وإن بكينا أسكتنا ، وإن هربنا منك طلبتنا ، وإن أطعناك حذرتنا ، وإن عصيناك عذبتنا ، فلا لي معك راحة ، ولا لي في غيرك أنس ، فالمستغاث بك منك إليك .

--> ( 1 ) المراد بالتلبيس إظهار الأسماء والصفات بالأسباب ، فكل مظهر في الوجود له سبب قريب يلبس عقول العامة ويصرفها عن السبب البعيد ، المبدع الأول سبحانه وتعالى . ( 2 ) الذاكر الأول للّه هو اللّه ، قال تعالى : هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ [ الحشر : 22 ] ، والعارف الأول للّه هو اللّه ، شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ [ آل عمران : 18 ] ، وقد ذكر الذاكرون بذكر اللّه لنفسه ، وعرفوه بمعرفته لنفسه . ( 3 ) الذي لا سبيل إلى معرفته على الحقيقة هو الذات ، والذي يمكن أن تجول فيه الأرواح هو الأسماء والصفات جولان ذوق ، لا جولان نظر وعقل ، والذي يمكن أن تجول فيه العقول هو العناصر غير المنظورة كالإشعاعات والفضاء وحركات الذرة وغير ذلك من الأبحاث العلمية ، والذي يمكن لكل العقول والنفوس أن تجول فيه هو العلوم النظرية والعملية على الإطلاق ، فإذا كانت الأسماء والصفات أوقفت كبار المشاهدين في الحبرة ، فلا شك في أن مشهد الذات قاتل محرق ليس معه شئ ولا عين هناك ولا أين .